ابن كثير
161
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
تفسيرا للنعمة عليهم في قوله : يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ ثم فسره بهذا لقوله هاهنا : اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وأما في سورة إبراهيم فلما قال : وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ [ إبراهيم : 5 ] أي بأياديه ونعمه عليهم فناسب أن يقول هناك : يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ [ إبراهيم : 6 ] فعطف عليه الذبح ليدل على تعدد النعم والأيادي على بني إسرائيل . وفرعون علم على كل من ملك مصر كافرا من العماليق وغيرهم ، كما أن قيصر علم على كل من ملك الروم مع الشام كافرا ، وكسرى لمن ملك الفرس ، وتبّع لمن ملك اليمن كافرا ، والنجاشي لمن ملك الحبشة ، وبطليموس لمن ملك الهند ، ويقال : كان اسم فرعون الذي كان في زمن موسى عليه السلام الوليد بن مصعب بن الريان ، وقيل مصعب بن الريان ، فكان من سلالة عمليق بن الأود بن إرم بن سام بن نوح ، وكنيته أبو مرة ، وأصله فارسي من إصطخر ، وأيّا ما كان فعليه لعنة اللّه . وقوله تعالى : وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ قال ابن جرير « 1 » : وفي الذي فعلنا بكم من إنجائناكم « 2 » مما كنتم فيه من عذاب آل فرعون بلاء لكم من ربكم عظيم ، أي نعمة عظيمة عليكم في ذلك . وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : قوله تعالى : بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ قال : نعمة « 3 » . وقال مجاهد بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ قال : نعمة من ربكم عظيمة « 4 » . وكذا قال أبو العالية وأبو مالك والسدي وغيرهم . وأصل البلاء الاختبار وقد يكون بالخير والشر كما قال تعالى : وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [ الأنبياء : 35 ] وقال : وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [ الأعراف : 168 ] قال ابن جرير : وأكثر ما يقال في الشر : بلوته أبلوه بلاء ، وفي الخير أبليه إبلاء وبلاء ، قال زهير بن أبي سلمى : [ الطويل ] جزى اللّه بالإحسان ما فعلا بكم * وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو « 5 » قال « 6 » : فجمع بين اللغتين لأنه أراد : فأنعم اللّه عليهما خير النعم التي يختبر بها عباده . وقيل : المراد بقوله : وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ إشارة إلى ما كانوا فيه من العذاب المهين من ذبح الأبناء واستحياء النساء قال القرطبي « 7 » : وهذا قول الجمهور ، ولفظه بعد ما حكى القول الأول ، ثم قال : وقال الجمهور : الإشارة إلى الذبح ونحوه ، والبلاء هاهنا في الشر ، والمعنى : وفي الذبح
--> ( 1 ) تفسير الطبري 1 / 313 . ( 2 ) في الأصل « إنجائنا آباءكم » والتصحيح من الطبري . ( 3 ) تفسير الطبري 1 / 313 . ( 4 ) تفسير الطبري 1 / 313 . ( 5 ) البيت لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ص 109 ؛ ولسان العرب ( بلا ) ؛ وتهذيب اللغة 15 / 390 ؛ ومقاييس اللغة 1 / 294 ؛ وديوان الأدب 4 / 106 ؛ وتاج العروس ( باس ) ؛ وتفسير الرازي 3 / 66 ؛ والطبري 1 / 314 . ( 6 ) أي ابن جرير الطبري . ( 7 ) تفسير القرطبي 1 / 387 .